| |
كثيراً ما سئلتُ من طرف القرّاء عن "الكتابة في لحظة عُري" بعد أن رفضت منذ ما يقارب الثلاثين سنة وحتى اليوم, إعادة إصدار هذا الكتاب في طبعة ثانية. أولاً بسبب الأخطاء المطبعيّة الكثيرة التي شوّهت بعض نصوصه لعدم تواجدي آنذاك في بيروت لمراجعته. ثمّ لإقتناعي في ما بعد, انّه لم يكن عملاً إبداعيّاً يستحق الخلود الأدبيّ. إنّما مجرّد تمارين أولى في الكتابة, كانت تهيّؤني لعمل أكبر. لم يغيّر من موقفي هذا نصيحة الراحل العزيز نزار قبّاني في إحدى رسائله, بإعادة نشر هذا الكتاب "الشجاع" و"الانقلابي" في حينه. مازلتُ أرى أنّ زمنه ولّى, وأنّه يشبه ذلك العمر العشريني, بحماسه وإندفاعه وأخطائه ومجازفاته وشجاعته.. وسذاجته. غير أنّي وأنا أعمل على إعداد هذا الموقع, فكرت في نشره هنا, ليكون في متناول الباحثين والطلبة, الذين يحتاجون الى العودة إليه لإيضاءة مساري الأدبيّ. قد لا تعترف بنصوصك الأولى, لكنّ الآخرين يتعرّفون عليك بها. لأنّها تملك الجينات التي لن تفارق قلمك أبداً. كانت مفاجأتي وأنا أعيد قراءة النسخة الوحيدة التي أملكها من هذا الكتاب, والتي عثرت عليها مؤخراً مصادفة في الجزائر بعد أن أنقذها أخي من الضياع, بإحتفاظه بنسخة كان والدي يخبؤها كعادته في خزانته الخاصة للذكرى, على رغم جهله للعربيّة, أن تعثّرت بكاتبة ما زالت الى حدّ ما.. أنا. بل كانت الى حدّ كبير تلك التي كتبت "ذاكرة الجسد". فلقد عثرت على مفتاح تلك الرواية في "خربشات" هذا الكتاب الذي يحمل تدفّقي الوجداني والسياسي الأوّل في بداية السبعينات. لم يكن قد مرّ على إستقلال الجزائر آنذاك أكثر من عشر سنوات. وكانت مجرّد الكتابة باللّغة العربيّة بالنسبة لفتاة في سنّي, معجزة جزائريّة في حدّ ذاتها. فقد كنت ضمن الدفعة المعرّبة الأولى التي تخرّجت من كليّة الآداب في الجزائر. لذا شكّلت قضايا العروبة الجينات الأولى لقلمي, الذي تغذّى حبره من مآسي الوطن العربي في السبعينات ( أيلول الأسود في الأردن.. الإعدامات في مدينة القنيطرة المغربيّة.. حرب أكتوبر 1973.. إغتيالات المهاجرين الجزائرين في مرسيليا.. إنشاء القرى الفلاحية في الجزائر.. الإبتزاز الإقتصادي الذي مارسته فرنسا على الجزائر بعد تأميم البترول).
أحبائي.. أضع أمامكم هذا "الكتاب" بكثير من الارتباك, بعد أن اقتنعت أن في وضع كتاباتي الأولى على موقعي في الأنترنت, ضرر أخف من إعادة نشرها في كتاب. وجريمة في حقّ الأدب.. أرحم من جرم الإحتفاظ بها لنفسي. ربما كان على المبدع أن يتقبّل أخطاء خطاه الأولى, وأن يمتلك شجاعة النظر إلى الخلف دون خجلٍ من عثراته, أن يتأمّل مليّاً في عري قلمه المرتجف, قبل أن ينبت له ريش ويستقيم عوده. ربما فاخر بنقاءه. فقد كان ذلك زمن الفطرة.. والصفاء الأوّل.
أحلام 30 نيسان 2004
|